محمد متولي الشعراوي
1711
تفسير الشعراوى
تعاليم ما يؤمن به . فالرجل - على سبيل المثال - حين ينظر إلى حلاله ، أي زوجته ، ينظر إليها براحة ويشعر باطمئنان ؛ لأن ملكاته النفسية منسجمة ، أما عندما تتجه عيناه إلى امرأة ليست زوجته ، فإنه يراقب كل من حوله حتى يعرف هل هناك من يراه أو لا ؟ وهل ضبطه أحد أو لا ؟ وعندما يضبطه أحد فهو يفزع وتتخبط ملكاته . لذلك يحذر الحق سبحانه المؤمنين : إياكم من البطانة من غير المؤمنين ، لأنهم لا يقصرون أبدا ولا يتركون جهدا من الجهود إلا وهم يحاولون فيه أن يدخلوكم في مشقة . والمشقة إنما تنشأ من أن الكافر يحاول أن يجذب المؤمن إلى الانحراف والاضطراب النفسي وتشتت الملكات مستغلا القرابة والصداقة ، مطالبا أن يرضيه المؤمن بما يخالف الدين ، ولا يستطيع المؤمن التوفيق بين ما يطلبه الدين وما يطلبه الكافر ؛ لذلك تنقسم ملكات المؤمن ويحس بالمشقة . والكافرون لا يتركون أي فرصة تأتى بالفساد للمؤمنين إلا انتهزوها واغتنموها . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ » . وما دامت البغضاء قد بدت من أفواههم فكيف نتخذهم بطانة ؟ إنك حين تصنع لنفسك جماعة من غير المؤمنين ، فإنها تضم بعضا من المنافقين غير المنسجمين مع أنفسهم . والمنافق له لسان يظهر خلاف ما يبطن . وعندما يذهب المنافق إلى غير المؤمنين فإن لسان المنافق ينقل بالسخرية كلام المؤمن . هكذا تظهر البغضاء من أفواه المنافقين المذبذبين بين ذلك ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، إنهم لا ينتمون إلى الإيمان ولا ينتمون إلى الكفر ، والذي يصل المؤمنين من بغضاء هؤلاء قليل ؛ لأن ما تخفى صدورهم أكبر . وحين تبدو البغضاء من أفواههم ، فإما أن يقولوها أمام منافقين ، وإما أن يقولها بعضهم لبعض ، فيتبادلوا الاستهزاء والسخرية بالمؤمن ، واللّه أعلم بمن قيل فيه هذا الكلام ، ولذلك فعندما يتحدث الكافرون بكلام فيما بينهم فاللّه يكشفهم ويفضحهم لنا نحن المؤمنين . إن اللّه تعالى يكشف بطلاقة علمه كل الخبايا ، وكان على الكافرين والمنافقين أن يعلموا أن هناك إلها يرقب عملية الإيمان في المؤمن حتى ينبهه إلى أدق الأشياء ، لكنهم كأهل كفر ونفاق في غباء ، لقد كان مجرد نزول قول الحق : « قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ